تحليل.. انتخابات 2021 وشبح المقاطعة – الجريدة 24

تحليل.. انتخابات 2021 وشبح المقاطعة

الكاتب : Aljarida24

الإثنين 21 يناير 2019 | 20:00
الخط :

خلال لقاء جمعه مع طلبة المدرسة العليا للتجارة بمدينة فاس، حذر محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية من تراجع نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، لاعتبارات كثيرة ذكر قائد الشيوعيين المغاربة بعضا منها في اللقاء المذكور. والواقع أنه حتى ولو بدا في الأمر مبالغة من طرف قيادي حزبي في الساحة السياسية يربطه تحالف استراتيجي مع حزب “العدالة والتنمية”، فإن هذا لا ينفي أن كلامه يجب أن يؤخذ على محمل الجد، في سياق وطني مطبوع بغياب الرهانات السياسية الكبرى ويتميز فقط بالملاسنات وردود الفعل الحزبية الغير مجدية.

صحيح أن المغرب خطا خطوات كبيرة في مجال البناء المؤسساتي والديمقراطي، إلا أن هذا البناء من دون انخراط المواطن من داخل المؤسسات عبر آلية الانتخاب سيبقى مجرد هيكل بلا روح، ولن يمنح ذلك سوى شرعية لخطابات التيئيس والعدمية التي تفوت الفرصة دون التشكيك في المؤسسات وجدواها.

مهما كانت ملاحظات كل القوى الحية في البلاد، فإن الأمر الذي لا يمكن نكرانه هو أن المغرب من الدول السائرة في طريق النمو التي تملك مؤسسات دستورية لها من الصلاحيات ما يكفي لتحقق التوازن بين السلطات والفصل بينها. هذه المكتسبات يجب الحفاظ عليها واستثمارها صونا لصورة المملكة المغربية في الخارج وحفاظا على نعمة الاستقرار التي ننعم بها، وخدمة لمشروعنا التنموي.

لقد استيقظ المغرب بعد إجراء انتخابات 2007 التشريعية على نسبة مشاركة ضعيفة لم تتعد 37 في المائة، في انتخابات شارك فيها أزيد من 20 حزبا مغربيا. النسبة كانت هي الأضعف في الانتخابات التي عرفها المغرب المستقل (مع الأخذ بعين الاعتبار لواقع السياسة الانتخابية في النصف الثاني من القرن 20)، وجاءت في سياق مطبوع بغياب الرهانات السياسية في مرحلة ما بعد الانتخابات السابقة في سنة 2002 التي أجريت في سياق تميز بحضور قوي للفعل السياسي وبزمن التحولات الديمقراطية في المغرب التي جاء بها العهد الجديد مع قدوم الملك محمد السادس إلى حكم البلاد.

وللتذكير فانتخابات 2002 التشريعية وصلت نسبة المشاركة فيها إلى 51.6 في المائة، وهذا كان راجعا بالأساس إلى سياق سياسي مطبوع بالجدل والأمل في الانتقال الديمقراطي الذي دشن مع حكومة التناوب التوافقي سنة 1998. النقاش السياسي الذي كان سائدا في تلك المرحلة وكان يعكسه الإعلام العمومي والجرائد الخاصة، انعكس بشكل إيجابي على نسبة المشاركة في انتخابات لم يشكك أحد من الفاعلين السياسيين في نزاهتها.

ما أعقب هذه الانتخابات من قرارات تم فيها استبعاد الفاعل الحزبي والخطاب السياسي من ساحة النقاش العمومي لفائدة المقاربة التقنوقراطية بشكل مبالغ فيه أحيانا، أعطى الانطباع للمواطنين بأنه لا جدوى من الانتخابات وأن المؤسسات الدستورية غير فاعلة وأن الفاعلين السياسيين لا يسعون سوى لخدمة مصالحهم الضيقة، وهكذا أصبح جزء غير يسير من المواطنين يعتقدون أن مجلس النواب هو مؤسسة غير فعالة لا تقدم سوى القليل من الحلول الناجعة لحل مشاكلهم الاجتماعية. فكانت النتيجة في انتخابات 2007 بنسبة مشاركة وصلت إلى 37 في مائة مع احتساب حتى من صوت بورقة ملغاة.

ورغم محاولات مختلفة للفاعلين السياسيين من أجل فتح نقاشات عمومية بعد هذه الانتخابات إلا أنها ظلت حبيسة سقف معين لم تتجاوزه ولم تساهم في الخروج من الأزمة، باستثناء الرجة السياسية التي أحدثها تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في المشهد السياسي. ومع احتجاجات حركة 20 فبراير، عاد النقاش السياسي إلى سابق عهده في الفضاء العمومي وتوج بالتصويت على دستور جديد.

وفي سياق مطبوع بحدة الاحتجاجات في الشارع وبدعوات مقاطعة الانتخابات وصلت نسبة المشاركة في انتخابات 2011 السابقة لأوانها إلى 45 في المائة وتسجيل تقدم بـ8 في المائة مقارنة بالاستحقاقات التشريعية السابقة، ما يدل على أن النقاش السياسي يساهم في الرفع من مستوى انخراط المواطن في الفعل السياسي. ونفس الأمر ينطبق على انتخابات 2016 التي عرفت جدلا سياسيا كبيرا بين قوتين انتخابيتين هما “البيحيدي” و”البام”، بين تيار سياسي يتبنى المحافظة وآخر يتبنى الحداثة مرجعية فكرية له. صراع سياسي ساهم على الأقل في الحفاظ على نفس مستوى انخراط المواطنين في العملية السياسية.

بعد انتخابات 2016 وقع “بلوكاج حكومي” ومن بعده أعفي رئيس الحكومة المكلف، وعين مكانه رئيس حكومة جديد من نفس الحزب وهو  سعد الدين العثماني. وشكل تحالف حزبي من 6 أحزاب. وتراجعت أحزاب المعارضة إلى الوراء ولاسيما حزب الأصالة والمعاصرة الذي يملك أزيد من 100 برلماني في مجلس النواب، في حين لم يتمكن حزب الاستقلال على خلق الجدل السياسي الكافي في الفضاء العمومي رغم مبادراته التي توالت منذ مجيء نزار بركة إلى دفة قيادته.

في مقابل هذا التراجع للصراع السياسي بين معارضة – حكومة، والذي تحتاجه كل ديمقراطية، برز صراع سياسي بين طرفين في الحكومة وهما حزبا التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية. حجم الخلافات التي دبت بين الحزبان منذ تشكيل الحكومة، جعلت الجميع يتساءل عن الجدوى في استمرار التحالف الحكومي الحالي من الأصل، ما زاد من تقوية شعور المواطن بالعبث من العملية السياسية.

ومن هنا يأتي التخوف من انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، وذلك لاعتبارات عديدة يمكن تلخيصها في عدة نقط. أولا: غياب الجدل والصراع بين الفاعلين الحزبيين بشكل يجعل للعملية السياسية رهانات يمكن أن تستقطب المواطن لمتابعة تفاصليها، ثانيا: الصراع تحول من ما هو إيديولوجي برهانات عديدة، أي من صراع إسلامي-حداثي إلى صراع تقني – سياسي لا غير من دون رهانات، ثالثا: الصراع بين الأطراف الحكومية بشكل مستمر والتعبير عليه في التصريحات الرسمية وعبر وسائل الإعلام لا يمكن أن نعتبره سوى بكونه عبث لن يزيد سوى من عزوف المواطن عن العملية السياسية.

آخر الأخبار