الحرب على الإرهاب: هل المقاربة الأمنية كافية؟ – الجريدة 24

الحرب على الإرهاب: هل المقاربة الأمنية كافية؟

الكاتب : الجريدة 24

الثلاثاء 25 ديسمبر 2018 | 15:30
الخط :

عاشت بلادنا حدثا مروعا تمثل في عملية قتل بشعة لسائحتين أجنبيتين، اتضح فيما بعد أن محركها هو الأفكار المتطرفة التي تتخذ من الدين لبوسا لها. فالأمر كان يتعلق بخلية تشبعت بأفكار التنظيم الإرهابي المتطرف “داعش” بشكل منفرد ودون علاقة مباشرة به، وفق ما أوضحته المديرية العامة للأمن الوطني.

المصالح الأمنية تمكنت في وقت وجيز من إلقاء القبض على المشتبه فيهم ومن يقف وراءهم بالتحريض وشحن أدمغتهم بالأفكار المسمومة. فحجم الجريمة وبشاعتها لم يكن من الممكن التساهل معها أو ترك أي شخص له علاقة بها في حالة فرار، وأثبتت رجال الأمن من جديد كفاءتهم في التصدي للخطر الإرهابي الذي يحاول دائما استهداف أمن المواطنين على أرض المغرب الآمنة والمستقرة.

وانخرط المواطنون والسياح الأجانب وفاعلين مدنيين وسياسيين في مبادرات تهدف إلى التنديد بالعمل الإرهابي الشنيع الذي لا سابق لبلادنا به، ومن بين ذلك وقفات سلمية في مدن المملكة وأمام مقر السفارتين الدانماركية والنرويجية. كما كان لافتا أن حتى أفراد عائلات وأسر المشتبه بهم قد عبروا عن تنديدهم بسلوك أبنائهم وأنهم لو علموا بما كانوا ينوون فعله وبأفكارهم المتطرفة لما توانوا لحظة واحدة في إبلاغ أجهزة الأمن.

الدرس الأول المستفاد من هذه الجريمة البشعة هو أن الخطر الإرهابي ليس بعيدا عن بلادنا، لاسيما وأنه تحول إلى إرهاب عابر للقارات وبأدوات ووسائل قد تكون بدائية ومتاحة للجميع مثل الجريمة التي نحن بصدد الحديث عليها. لا يجب أن نستهين بالخطر الإرهابي المحدق بنا والذي اكتوينا بناره سنة 2003 بالدار البيضاء وفي سنة 2011 في مراكش.

يجب التصدي لحملات التشكيك التي يقودها البعض عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واعتبار أن الخلايا الإرهابية التي يتم تفكيكها من طرف أجهزة الأمن، مجرد عمليات “لإلهاء الشعب”، والواقع أن الأمر يتعلق بمشاريع لعمليات إرهابية في بلادنا من طرف أشخاص مغاربة مع الأسف وأجانب تشبعوا بثقافة الموت عوض ثقافة الحياة. لقد تمكنت أجهزة الأمن من تفكيك عشرات الخلايا في العشر سنوات الأخيرة، أفرادها كان من الممكن أن يهددوا استقرار وأمن البلاد والعباد لولا يقظة الأجهزة الأمنية.

وإن كان المغرب قد راكم خبرة بشهادة العديد من الدول في مجال محاربة الإرهاب وطنيا ودوليا، فإن هذا لا ينفي أنه على عاتق باقي مختلف الفاعلين أدوار يجب أن يقوموا بها. فتعقيد الظاهرة الإرهابية اليوم تتطلب تظافر جهود الجميع للتصدي لها. هذا الدور لا يتأتى إلا من خلال تحليل واستقراء مصادر العنف وأسبابه الظاهرة والخفية.

إن للمثقفين المتنورين دور أساسي في هذا المجال، عبر المساهمة إلى جانب علماء الدين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، في الدفاع عن إصلاح ديني حقيقي، بعيدا عن لغة الخشب ومحاولة الهروب من مواجهة الأسئلة الدينية الحارقة. هذا الدور الذي يجب على العلماء والمثقفين القيام به يتطلب شجاعة كبيرة، لأن عدد من الشباب عندما لا يجدون جوابا عن بعض الأسئلة بشكل واضح ومن بينها مفاهيم الجهاد والنظرة إلى الآخر غير المسلم وقيم التعايش، فإنهم يتوجهون إلى استيراد خطاب قادم من الخارج يتميز ببساطته واختزاليته، ويصعب هضمه من طرف بعض صغار العقول الذين يجدون فيه خروجا من أزمتهم النفسية والفكرية.  تجديد الخطاب الديني بشجاعة أصبح اليوم ضرورة، وإلا فإننا سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة.

لم يعد ممكنا اليوم التسامح مع خطاب يروج للغلو والتطرف ويتحمل المسؤولية المعنوية في حشد هؤلاء الدواعش. ما معنى أن يروج بعض “الدعاة” خطابا تكفيريا سواء بشكل صريح أو بشكل خفي؟ على سبيل المثال، تابعنا أكثر من مرة تكفير شيخ يدعى أبو النعيم لفاعلين ومثقفين وهو ما يهدد السلم الاجتماعي والتعايش في البلاد. تابعنا أكثر من تدوينة ومقال لأشخاص يتهمون من يخالفونهم الرأي فيما يذهبون إليه بالخروج عن الملة والدين، ولاسيما في أوساط العديد من التيارات المسماة سلفية.

وعلى مستوى المقررات الدراسية، يجب الاعتراف أنه بناء على تعليمات ملكية سامية تم تنقيتها من العديد من خطابات التحريض على الكراهية، ولكن هذا لا يمنع المدرسة من القيام بدورها كاملا، ولاسيما المدارس العمومية في مجال التصدي للخطابات المروجة للإرهاب، والحسم مع ذوي الخيارات التي لا توافق توابث الأمة في مجال التعايش والتسامح الديني والتي يشحنون الأطفال والقاصرين بها.

وهذا الإصلاح يجب أن يمتد إلى الجامعة المغربية والتعليم العالي، وتنقية المقررات في الدراسات التي لها علاقة بالدين الإسلامي الحنيف من مختلف مظاهر الخطابات المروجة للكراهية تجاه الآخر. ونحن نعلم أن عددا من الأساتذة يفصلون الطلبة عن الطالبات في المدرجات ويروجون لخطاب يمكن أن يشكل مادة للتطرف الديني. كما أنه بات من الضروري إدراج مواد لها علاقة بالعلوم الإنسانية في الشعب العلمية بمختلف مسالكها، لاسيما وأننا لاحظنا أن طلاب هذه المسالك يشكلون هدفا للاستقطاب من طرف التنظيمات الإرهابية وخصوصا “داعش”.

رأي