و تكبر تِزْكي في أعيُننا- الحلقة السابعة الأخيرة – الجريدة 24

و تكبر تِزْكي في أعيُننا- الحلقة السابعة الأخيرة

الكاتب : الجريدة 24

السبت 08 ديسمبر 2018 | 14:45
الخط :

 عبدالله صدقي

عند كل الاتجاهات كنت أرافق أطفالي جنبا إلى جنب  في  متابعة المحاضرات واللقاءات الفكرية والادبية  ، أقاسمهم  هموم المعرفة ، فكنت ألقي محاضراتي في البيت أمامهم ، وأشرع في تبسيطها بالشرح والتفصيل  أياما  ، بعدها  تتم مرافقتي لهم إلى المحاضرة ليروا كيف يتفاعل المتلقي ( الجمهور)مع ما  أقدمه  ، و في نفس الوقت  يزداد تمثلهم لما أقول و ما أشرح  ، حتى يتمكنوا من فهمه جيدا ، ثم ينتقلون إلى محاولة تطبيق ما تيسر لهم في الحياة .فكان أن تابعوا معي  بعض  محاضراتي التي  تخص تربية الأبناء على ضوء  علم التواصل  .حيث  كان عنوان  المحاضرة ( مقاربة للتواصل التربوي في الإسلام : لقمان نموذجا ).

كما اتفقنا   لنؤسس فرقة مسرحية بيننا ، فكان الاتفاق  على أن أكون الكاتب المسرحي و المخرج ، وأمير ونزار الممثلين  المشخصين للمسرحية ، أما فيصل فمهمته المونتاج ومساعدة المخرج  .

كانت أول مسرحية من كتاباتي القديمة . عنونتها تحت ( و تكبر معنا الكلمات )، وقد تعمدت هذا العنوان ، حتى يفطن أبنائي  إلى صعوبة الأفكار والمعاني التي تتضمنها  والتي  تكبرهم بكثير، لكنها ستترعرع معهم شيئا فشيئا ، وسيفهمونها يوما بل ويتجاوزونها    . و خلال هذه الآونة  كنت أحاول بشتى  الطرق أن أقرب إليهم مضامين النص المسرحي  و أبعاد  الرموز التي تحملها  ،و ذلك  أثناء كل  فرصة تُمنح لي .و قد تَمَّ تقديم عرضها في بعض المركبات ، ونالت إعجاب الجمهور بشكل ملفت أو بالأحرى لفت انتباههم   ولداي   التوأم  (أمير ـ و نزار ) اللذان برعا في  تجسيد مشاهد النص المسرحي .

كما واكب أبنائي الثلاثة معي رياضتي المفضلة (الأيكيدو) ، والتي تعلمتها منذ أواخر السبعينيات على يد  الأستاذ الجليل  الراحل مبارك العلوي    رحمة الله عليه  ، كما مارسوا رياضة (الجيدو)  تحت إشراف  الأستاذ   الجليل  ياسين المسعودي حيث ألفوا عالما آخر  من التقنيات والحركات والعراك الذي يخوضونه  فوق البساط وكأنهم  يخوضون  عراكا ضد  عقبات الحياة .

كنا نرتاد المسجد للصلاة  و نتابع قراءة القرآن  جماعة في المنزل ، ولم تكن زوجتي بعيدة ، بقدر ما  كانت تقاسمنا كل نشاط  ،و تساهم إلى جنبي بالقسط الأوفر .

صحيح لقد كنت أشعر بتوفيق من الله لي في كوني تمكنت من تأسيس أسرة على شاكلة ما كنت أحلم به . رزقني الله زوجة  تحمل نفس الرؤية للعالم ونفس المبادئ الإنسانية   ، فكانت أن سارت معي في كل الاتجاهات و المنعطفات ،وحملتْ معي نفس الهموم .كما كنت أقاسم أبنائي كل شيء حتى عقبات الحياة التي كنت ألفيها أمامي ، وذلك  ليتمكنوا من  مشاطرتي وتوجيهي باقتراحاتهم  حين أبسط أمامهم  جميع المعطيات  ، حتى بِتُّ لا أستطيع السفر  أو القيام بأي نشاط أو عمل دون  مشاركتهم  النشاط كاملا .

صار  لدي  شغف  لما يقدمونه من مساهمات و لو كانت بسيطة ، بل كنت  أشعر بلذة حين أجلبهم  إلى الانخراط في ما يهم حياة الأسرة و قضايا المجتمع، مُحتاطا و بِحَذر  حتى لا أتعسف على  خصوصيات المراحل التي يعبرونها  نفسيا واجتماعيا و ثقافيا . لأني كنت أدرك ذلك إدراك المتبصر الحاذق  .كما أن امتهاني حرفة الدعوة إلى الله  و ممارستي لها منذ صغري مكنني كذلك من  أن أرى  أطفالي من هذه الزاوية .

جاء اليوم الموعود ، واتفقت مع  أطفالي و زوجتي أن نجمع أمتعتنا لنولي و جوهنا  شطر  بلدتي تزكي . لقد جاءت اللحظة  التي كان أبنائي  يتحرقون لرؤية  هذا العالم الذي شكل لي  هوسا جنونيا  من الحب  ، ولأول مرة سيرى أبنائي مدينتي الفاضة التي لا يعرفون لها وجودا إلا في  عالم الخيال  و من خلال الحكايات   التي  كنت  أواظب على حكيها لهم مرات ومرات ، حتى باتت تزكيفي مخيلتهم فضاء يوطوبيا بامتياز.

 وعند غديرك  تزكيتدفق الحبُّ بُرْعُما يصحو ،وبين نخيلك كنت قديسا يهْفو في معبده ،  بثوب البياض خُضِّبَت  أطراف سواعده  وعلى ضِفاف الوادي سالتِ الحكايات تلهو  تِلو الأخرى عَلَّ زمان الوصل يطفو

فوق وحْل بُحيراتِك حباتِ  بُنْدُق ،أكلَّما رَكَنْتُ بين أركان الجذوع طفلا ،طفحتِ الذكرى حبْلى تروي

سأخطو الخطو بين الجِنان جريدها  ،وعلى سفوح الجبال أمسيتُ  بُوما تعوي  غدر الزمان  و آهاته

تِزكي والجبال روافد الأنهار تجري غزلانا أو ضِباء تلهو في عرساتها .

أ كلما انزويت في مِحراب النخيل  طفق الماء بشلاله يهدر و يهدر، هناك تغنت العصافير أعراس من بكوْها يوما بالشوق أو الحب كلاهما سواء ،نُدوب الدهر ترى خدشاتِه طوالع فتصبو حيران الفؤاد

و الحزن ساطع. شتان بين الزمان والزمان ،وخصال الناس خالدة كِرامُها  و الخُبث ينجلي  سحابة جفّت دُ موعها

 في طريقنا كانت الأشجار تسارع وهي تمر بصمت ، و رقية زوجتي تنظر من النافذة ، وسرعة السيارة تزداد ، انطلقت دمعة كالزئبق منهارة من بين جفني ، أسرعت لإخفائها  حتى لا تشعر بِي .

بدأت الشمس تميل إلى وسط السماء  حتى توارت  خلف سحابة رمادية ، بدت الطريق دون نهاية  تستدعي شذرات    الذكرى .

كلما سلكت الذاكرة سهو الذين يرضون بالنزق ، كنت أجعل الشجرة ترتج بيدي ، جميعهم يدخلون ويخرجون ، يصبحون و يمسون ، و أحيانا يضحكون من دون سبب .

الأيام جديدة تنطوي بسرعة العجلات . جديد هو الزمن فينا حين يغير سُترته ، ويواجهنا من جديد .

و أصداء آلامه تهتز و تهتز ، تم تنخفض ببطء تاركة وقعها على تجاعيد الروح . و الآلام   الجميلة ذكرى للرحيل و صِلة النسب .و سُلالة المضطهَدين . و الكآبة تشهق بوكرها الجذاب نحو الزمن الذكرى . أيتها النجمة المضيئة و في غيابها ستهب لعشقك الملايين ، وستسعك أيامك بالورد الندي .

طلعة بلدتي تِزكي

هناك بدت لي تزكي بلدة السلام و الأمن ، تحتفل بعرس المناجل ، وتسأل لماذا أخفقت رايات الاحتجاجات ، هكذا يخال أنها تحاول نسج مرثية الدهر وما صنعت الأيادي الطاهرة .كانت قد شرعت تكف عن تقديم  الورود والياسمين. وتكتفي برجرجاتها المتوالية ، تسحق بها هدير الأنهار ، وتفصل بها جذوع النخيل ، وتبعد بها مواكب النجوم . لا أدري كيف يمكن للواحد منا أن ينسى غابات النخيل التي  تحولت إلى  وحل ، وغبار تنفثه الرياح .

على الطريق الممتدة إلى عالم تِزكي  كانت كل الأشياء ملتوية  كملفات قضايا العرب ، تكْبر ، وتزخر بالأوراق ، لتسقط تباعا ،الواحدة تلو الأخرى دون أن تثير أي استغراب . وتِزكيالقرية  بعيونها الواسعة ، وبقامتها المنتصبة  تقرأ في كحل أهدابها  أحزانا لا تبوح بها . و بالغبطة تحاول الاقتراب

منها ، غير أنك تتأكد بعد المحاولات المتكررة أنها تزداد منك بعدا .استمر الصمت من جديد لا نسمع إلا صوت العجلات تطوي الأرض طيا ، أرى رقية إلى جانبي وقد استسلمت للنوم، حتى فيصل وأمير ونزار كلهم  أيضا استسلموا لسلطة النعاس ، في هذه الآونة هاجمتني الصور برحيق تِزكي .

يوم  انتزعت منك طفلا كان الحداد يهبط  كسترة على هذا القلب الصغير . كنت أهرول إلى ركن  في البيت مفجوعا  ينز مني صمت عصيب . . وكنت قد تكومت كالشيء  مندفعا بنظراتي  إلى والدتي .

هاأنذا يا تِزكي  ابنك ،فلتقر عينك ، ولتشمي بعذوبة نسائم الحرية . عشرات من أبنائك سيجوبون الأيام ، وسيحملون عشقك الأبدي ، ودمك يجري في عروقهم المتجزئة أجراما على القرى ومن حولها .

جميلة تهدين سنبلة الريحان ،وبين الصفصاف رَفيقةٌ تخطو الخطىبهمسات العندليب وقد  تَقطرَثغرك باسما

يفوح مسكا بك الورد . أيا هاته التي أرى في مقلتيمن تكونين بين الظلال،  أرافقك ظلا لدى كل المرافئ والكهوف

تبعضا في جسدي لولادة ثانية ، وعلى رصيف ياسمين و أقحوان الجمال

كنت أنتظر صدفة الملاحةعلى وِجنتيك عذوبة العشقفأحيا مرتيْن في عباب  . بين خصلتيك ضاعت الحكاية

ربما كُتِبَ لي عمرٌ طويلٌ و لو مؤلم، إذن لن أتردد على أن أحكي لك تِزْكِي كل الأشياء .و حتى ما يطرأ في أزقة القدس، و بين جبال لبنان ،و شوارع دمشق ، وأمام جدران الكعبة   ،و كذا في  ثنايا ملفات   الجامعة العربية ،  وأماكن أخرى تعرفينها داخل القلب المفجع .  و قد علمتنيالحياة  أن الرمل لا ينجب تاريخا ، حقا قد يُرسم فوق حباته ، ولكن سرعان ما تَمزج الريحُ هذه الحبات  فتعبث في الهباء  عبث التلاشي والاندثار .

الآن و رُقية إلى جانبي ، نَحُلُّ بتزكيالأمل  والآمال تقبع مفجعة على هذا القلب المجروح . سرقت زوجتي نظرة إلي فرأت دمعتين تتساقطان كما يتساقط الرذاذ الناعم من السحابة الممطرة  ، هي تعلم و تدرك  ما قد يعكر ذهني  . سارعتْ  تهتف الله  الله ، حقا هذه البلدة تستحق ما كنتَ تحملُه في قلبك عنها , لقد كنت أغار منها حقا.

أي نوع هذا الجمال الخلاب ، وأية  جبال هذه  بهذا الشموخ ، وهذا النخيل الكثيف  الأخاذ . إنها …جنة الأرض بالفعل . لم أكن اعتقد أن المغرب  يمتلك  هذا الرياض الفتان ، و استمرت  رقية  تصيح  من غير أن تمتلك نفسها  .

قليلا من الوقت فقط لنقف على أعتابك العطرة يا تِزْكي  . لقد غادرتك  طفلا وعدت إليكِ رجلا . و لكن حبك مدفون هنا…في هذا القلب المفجوع .

حين تم التصاق أقدامنا بالأرض الطيبة دوسا بالنعل ، و قد بلغ منا التعب مداه . حتى بدتْ  منازلها تُطل علينا بشرفاتها مثل عيون البوم  وسط الظلام الذي أخذ يبسط جناحيه ، ويسدل ستائره .هاهي كما تركتهاإذن  ،

لكن الأمر لم يكن كما كنت أتوقع ،فقد ألفيتها تستقبلني بوجه شاحب  و حزين .

قلَّ نخيلُها ، و كساها  الغبار الذي أشعت جريد أشجارها .و قوَّس أغصان أشجار الزيتون، وأتلف الوادي العديد من ضيعاتها…

بعد استقبالنا من قبل ابنتيْ عمتي ، وكانتا  فتاتيْن بدويتيْن  وذكيتين  لا يزال الحنان الموروث مرسخا في  شخصيتيهما و سلوكهما، إحداهما تدعى خديجة والأخرى فاطمة  . ولجنا إلى منزلنا الذي كان في قارعة الطريق . فوق ثُلة الجبل  ، التمست مفتاح الغرفة ، و أولجته في ثقب الباب مقلوبا ، تم عدت أعدله من جديد لا مِسا الثقب حتى أتمكن من فتح الباب .على طلعة الشرفة برز ضوء القمر مسكوبا  و متدليا حتى بدت جدران الغرفة و كأنها طُليَتْ بطلاء من ذهب . أخذت دوشا تقليديا بماء ساخن في سطل  أصبُّه على جسدي النحيف  حتى يزيل عني عناء الطريق  والسفر  وعبْء الذكرى . لففت حولي فوطة حمام ، و عندئذ تذكرت ذقني ، فقد نسيت حلقه ،التجأت إلى  الحنفية العتيقة ، تطلعت في المرآة المهجورة حيث  كسرها الزمن ،و بدا عليها الصدأ قاتما ، وجدت وجها آخر لا أعرفه ، سارعت لحلق ذقني . عدت على الفور إلى الشرفة ، وكانت رقية زوجتي قد أعدت مع   فاطمة بنت  عمتي شايا جذابا ، و لأنها تعرف  مدى حبي للشاي في مجالسة الأحباب .

في تلك الليلة آثرنا تناول العشاء في الشرفة المُطلة على النخيل الذي لا يكاد يبين لشدة حلكة الظلام .

كان الجو عذبا و لطيفا ، و الهدوء قد كسا القرية ، و خيم على أجوائها . أحسست و كأن جمرة انطفأت في وسط الماء . ما يجعلك تحس بارتياح نفسي منعش . تجاذبنا الحديث مع خديجة وفاطمة اللتين قدمتا لنا أوضاع البلدة ، حيث ماؤها أصبح  ضحلا ، و نخيلها مات بعضه  من جراء الجفاف الذي ضرب القرية مدة أربع سنوات .تناولنا العشاء ،أما أبنائي فكانوا مرهقين ، ولذلك تناولوا طعام العشاء وصلوا صلاة العشاء ، وبعد انجذبوا إلى النوم و انخرطوا في قاطرته .

خلدت بدوري  إلى النوم ، في لحظة كانت  معارك الاستيقاظ تحتدم بين الواجهتين .وكان الهم يــــتزايد ، و أقدام الوافدين تتعثر بين الشيء ونقيضه . وكانت الأطلال تدعو للوقوف و البكاء على ذكرى المنازل .

سألتني رقية بغرابة  : لماذا العربي مهوس بالبكاء و الحنين ؟

أجبتها و أنا أحرك رأسي : بين المذكرات والتاريخ مسيرة زمن .

ردت بسرعة : ولكن المسافة قد تُنسي الانطلاقة .

عقبت مؤكدا: تكون الأشياء إذا رهينة المواقع .

عند الغد ، وبعد تناولنا لوجبة الفطور  العذب ، والذي عاد بي إلى أيام خلت . أستعذب رحيقها  بعذوبةالحنان  ، خرجنا و رقية يتبعها أطفالي مشدوهين . لنأخذ جولة بين النخيل الكثيف   و كأنهم في عالم الحلم كما قالوا .

قطعنا أسيف ( الوادي ) و هم يسألون ما هذا ؟ أخبرتهم أنه  مكان الوادي الكبير و الإعصار الذي يمر من هنا . أخذوا يسألونني عن الحجارة التي توجد فوقه ، ثم ولجنا بين النخيل المتمادي . أمام ( تاسوكت وامان ) وسط القرية  توقفت هنيهة  ،هاجمتني الذكريات المزيجة بالفرحة والألم .كيف تعوج بي الذاكرة  داخل عملة  النسيان ؟ كيف تنهض من رُفاتها لتُحْدِثَ فيَ  جُزْئياتٍ موجعةٍ   ؟

عودة الذكرى

تزكي الحبيبة ، وأنت تهدين بعذوبة الحزن الجميل ، وتضحكين  في مسارات انكسارات النهار، كل آهاتك ترسم مسالك الهموم عند من يحبك . و أنت صامدة تهزين آلاف العشاقين من أبنائكالتزكويين . أنت هكذا إذن  زاوية  تنكسر  الهموم  في عرصاتها ، وتهب الوشائج تبعث الأحزان في مهدها .

شرعت أبين لأبنائي كيف كنت أمرح هنا مع أثرابي ، و النساء ينظفن الثياب والملابس بالماء والصابون ، وهن يصحن بأعذب الألحان والغناء .كادت دموعي تفضحني ، و قد يراني أحد من المارة  و يعطيها تفسيرا  بعيدا ،رغم أني لم أعد أهتم بأي شيء .  أما أبنائي فهم يعلمون أني لا أشعر بالنقص أمامهم إذا بكيت ، فقد سبق لهم  مرارا أن  شاهدوا دموعي هطالة  عند أغلب المواقف . لأنهم يعرفون أني صلب عند  المواقف التي تحتاج إلى الصلابة ، وبَكاء في نفس الوقت  خلال المواقف التي تنال من نفسي ،  حيث كنت أومن بما قاله صلى الله عليه وسلم ، عين لا تمسها النار في مواطن ثلاثة، ثلاث أعين لا تمسها النار، عين بكت من خشية الله ، وعين غضت عن محارم الله ، وعين حرصت في سبيل الله .

والرسول عليه الصلاة والسلام كان أكثر بكاء أمام ربه ، كما كان عمر بن الخطاب الذي خضبت خداه بالدموع  لكثرة بكائه خوفا من الله وحبا له  . و قد مجد الله سبحانه  الرهبان الذين بكوا حين تُلي عليهم القرآن الكريم .( ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوه من الحق ).هكذا كانت لدي مرجعيات طوال حياتي أتسلح بها روحيا وفكريا ، وتتقاطع في خلجاتي النفسية . لقد بِتُّ مشبعا بهدي القرآن والسنة النبوية أولا ، وحِكم الصالحين و الحكماء ، و ما أغترفه من  المعرفة و النظريات  الفلسفية .

عندما كنت أحلم فوق خريطة الوطن ، كانت ليالي الأقطار الإسلامية  تهفو وتمضي بي بعيدا إلى هذه الساحة التي أقف  فيها أنا وأطفالي .و كأنني أودُّ أن أُنهيَ اللهفة الْمُلِحَّةَ  للقضاء على فجيعة  اللعبة القذرة .لا أحدَ يبلغُ الْقَبَوَ ليُخلص الأيادي الجميلة من قَيْدها .

و مضينا بين النخيل نتوارى عن الأنظارِ و زوابعَ من الذكرياتِ تلاحقني من كل جانب ، ها أنذا الآن كآبة ليال تمُوء من شدة الوحشة و الخيبة والحسرة .و من  تراب الممرات أحاول أن أستفسر  لماذا الزمن يَغدر بنا ،و هذه الأمور المعقدة تزداد  فُسحة في تعقيدها . هاهي النخلة التي كنت أتسلقها كل حين ، و ها هو الركن الذي كنت أختبئ خلفه  حتى لا يعتر علي أقراني  الأطفال ، هنا  كنا نلهو  ونلعب و كأننا ورثنا العالم  وحدنا .

لا حظ  أبنائي  الثلاثة  فيصل و أمير ونزار سرورا لم يسبق أن رمقوه  على وجهي . و بنظرة جانبية إليهم أدركت أنهم يشفقون من حالي .ربما بالغتُ في رأيهم في هذا الحب الزائد عن اللزوم ،أو ربما  ألحقت بهم شيئا من الحزن  … كنت أعذرهم فهم لم يعيشوا اللحظة هنا ، ولا قاسوا معاناة  اقتلاع الجذور.

لقد كنت أشعر أن روحي تجزأت إلى أرواح … لا تزال تسكن هذا المكان ،و لم تفارقه أبدا  ، أحسست بنوع من الاكتمال  والعشق والسعادة… حيث كلُّ الفجوات أخذت تلتئم  داخلي . شيء لا يوصف حقا . فلا أملك عبارات اللغة كي أصف لهم ما ينتابني من الشعور . سرنا جانب الواديبحذر  ، وتوقفنا أمام محطات جديرة بالتأمل  و الاستمتاع والمعاينة .

في تلك الأمسية طال بنا الجلوس  في الشرفة المطلة على طلعة الحقول .كنت أقرأ تاريخ الأمة بعينين مرتعشتين، و أسرد أغلب  المفاوضات العربية التي كانت تثرثر بلغط  المعرفة و شظايا الأخبار و أوهام الوعود .

كلما هِمت في فهم قانون لعبة تمثيل الشعوب  وجدت نفسي بين منصة المرقص والمنفى .

لا أدري كيف تختلط الأمور علي   بهذا الشكل .أشعر بصداع  موجعداخل الدماغ، لا أكاد أميز شيئا البَتَّةَ . قد تكون الأمور معقدة تماما ، ولكن الشيء الذي يظل يثير فضولي  يتواصل ، لا يكاد يكَلُّ  أو يملُّ…

لماذا تزكيالأقطار  تُشَرد ؟ و لماذا لا تأخذ الأشياء وجهتها على أرضها ؟ . أفكر في كثير من الأحيان في أن أنتفض من أي غُبار الاعتقاد و ما تعلمته منذ الصبا ، وبمرارة أُزَمْجرُ بكل الشعارات لعلّي  أُفْضي بها أخيرا إلى  العزلة الدائمة  حتى أنطفئ في ركن سحيق .

دعيني رقية حبيبتي أُنهي ما أنا بصَدَدِه ، ومن يدري لعلَّ الزمن لا يكون في صالحنا …

، كيف تريدين مني أن أقدم نشيد الوطن  على صخرة سيزيف ؟ وكيف تريدين  مني أن أعزف بآلتي معزوفة النصر فوق أرض لا  ما ولا عشب عليها سوى ضباب  الهباء …

عجيب أمر هذا الشيء  الذي لا أفهمه ، أبدأ في تقليب أوراق الشموس السالفة ، شيء ما حدث ، قد  تكون الأسمدة التي تغيرت  أو بُثَّتْ فيها سموم الإبادة .

لكَمْ طال صمت  حبيبتي رُقيَّـــــة و هي تكتفي ببلع ريقها على مضض ، قد تكون هي الأخرى تائهة مثلي في بحار الأرق  ومن يدري ، لكن  مهما كان الأمر  فالجو عصيب وعكرٌ ماؤُه .

من هذا الجسد  أخذت القنوات  تنبعث بمرارة توحي بشراسة الطوفان . وبالعزلة و الانقباض كدائرة محصورة ، أو كهف عتيق ترصد أبوابَه خيوط العناكب .

حتى الكوابيس  صارت في هذه الآونة تغزو صباح اليقظة ، وتحشر كلمات الاعتذار  ، وكل المصائب أضحت تُروَى بالأناشيد  وتُصلب على اليافطات السوداء.

تحت قبة سماء بلدتي تِزِكي و شمسها اللاذعة للوجوه  كنا نعبر أزقتها ، نحكي تحديات الأيادي  الجميلة  . بين  تِزْكي  الحلم  وتِزْكي الواقع كنت لا أستطيع إقامة عملية تفضيل  مفروضة ، حيث لا وقت للذكرى  ولا فُسحة  للحكاية .

على هذا القطار الماضي كانت تِزكي  تلك الحجرة الوطيدة للخيام التي اغْتُصبَت يوما . و على عُباب الموج تُقْبِل الخيول  المطارَدَة بالرياح الخانقة ، تهاجر  نحو نهر الموتى . وفوضى هذه الأوطان تطفو على سطح أجواء من ارتحلوا .

تنفس الصبح بأريجه ، اجتمع حولي كل أولادي ، أشعر أنهم  يواسونني  على خيْبتي . حاولت أن ألهيهم عن البركان الذي يتمخض داخلي بابتسامة مصطنعة ، تناولوا الفطور ، ثم طلبوا مني أن يصاحبوا بعض  أطفال القرية إلى النهر ، حتى يمرحوا هناك . أذنت لهم بذلك ، تم انصرفوا بلهفة الطفولة و براءتها .

شرعتْ خالتي في طهي  طعام الغداء ،  خرجت أنا ورقية حبيبتي نتجول في هذا الصباح الباكر ، حتى تتمكن من رؤية تِزكي الأمل في أحلى  حليها  و زينتها . تريد أن تدخل معي إلى عالمي الصغير الكبير لتتقاسم معي آلامي  و أحزاني و أفراحي . هكذا قالت لي بجمل منكسرة وهي تهدهد  . فهمت للتو ما تريده . مسكتُ بيدها موافقا ، تم انصرفنا نخوض الطريق .

عادت الذكرى تغزوني من جديد . حينما ينتهي قَحْطُ الفصول ، سأتعود على الإهانات داخل هذه الأوطان المليئة بالمفاجآت ، ، وسأصمد  كالحجرة الصماء ، ولن أشكوَ لأحد مهما مُلئتْ الأرض  بالسراديبو الخنادق و السجون .

و تطفو تزكي على الذاكرة

وحتى الدروس التي لقنوها  لي في المدرسة  لن أستوعبها ، بقدر ما سأقرؤها معكوسة و ربما نسيتها كليا ، ومهما كانت الركلات و اللكمات متتالية بالشتائم العاهرة ، ومهما قَرْفَصْتُ يومين أو أكثر بين جدران تِزكي القضية ، وسئلْت  لماذا أنا هنا ، لن أكون إلا  أمينا يا تِزكي التراث  .

بين نخيل تِزكي الحنان شعرت بالعالم يمتلكني ، أو على الأصح أنا الذي أمتلكه ، فكلا الأمرين سيان  في نظري . اقتربتْ رُقية  من خرير الغدير بشلاله المتدفق ، تستعذب بيدها زلال مائه ، إنها جنة  من جنان الأرض ، هكذا إذن  . لقد علمت الآن  آلامكَ على فراق تِزكي البلدة، و لكنها منذ الساعة لم تعدْ لك وحدك ، فهي  لنا جميعا مع أهلها ، كلهم أهلنا . أليس كذلك يا زوجي العزيز  . حركت رأسي موافقا ، رغم أني لا أتابع ما تقول ، ولكني أفهمها من خلال نظراتها . كانت  رقـية تتحدث ، لكني لم أعد أسمع شيئا . رفعت يدي بارتخاء ، أحس  برياح تداعبني ، وتلامس وجهي . كنت مطروحا ، وشرفة النافذة المهدّمة جدرانُها تستقبل نسائم الحقول  من كوّتها.صِحْتُ  رقية ، رقية… .عندئذ سألتني : كيف أصبحت يا عزيزي .

تذكرت التعب والانهيار ، علمت  أنه قد أُغمي علي . انصرفتْ ، تم جاءتني على عجل تحمل كوب ماء  و بعض الأقراص ، تناولتها  واسترخيت  على السرير و خارت قواي  .

ـ عزيزي هوِّن على نفسك قليلا ، إنك تكلف نفسك من الأمر  ما لا طاقة لك به .

ـ صحيح حبيبتي ،  ابتسمتُ أيضا  معها  وضحكنا ، حتى ارتفعت فرقعات ضحكاتها ، أقبلت خالتي مهرولة  من المطبخ ، ماذا يحدث  هنا ، ثم انخرطت في الضحك وهي لا تدرك ماذا حصل . المهم لديها أن نكون مسروريْن  و آمنيْن .

خالتي المسكينة امرأة عظيمة و حنونة مثل نساء القرية ، جميعهن يتميزن بأخلاق و عذوبة ورحمة  و حنان المودة  ولطف المعاملة الصادرة من القلب . لم  أر قط مثلهن في الغرب (الدارالبيضاء ).ولا في أي مكان .

عبر زغاريد اسطنبول كانت بيروت والبصرة و دمشق والقاهرة و مراكش تسأل ، وبين لحظة وأخرى  كان الوتر يجتاز إقليم الأقطار ، يعزف داخلي أغنية الكهوف والمساجد العتيقة .

كل الشوارع راحت تشدو، وكل السفن غدت تتحرك بثقلها .عبثا  تحاول الأيام أن تزيح  الأحزان الراكدة ، وما جثم على هذا الصدر أقوى  من منديل يُنْفض .

كلما هِمْتُ بإخمادها و تهدئتها ، انبلجتْ أقدام النيران تشُبُّ حرائقها على خريطة الانفتاح . و حيدة هي تِزكي المواسم  أحسها تنصهر  في طفولتي ، وتسكب خذلانهاالملفف تحت لهيب الاحتراق ، سآخذ كل باقاتك ( تيوشكينين )من رياض بناتك  التزكاويات اللواتي أطلب منهن أن يسامحن لي بذلك ، و سأحمل آلة عزفي لأحكي لكِ يا تزكي الذاكرة  عن التابوت الذي سُرق في الغلس الأمسي ،والعيون التي اشمأزت من هذا الظلام ، والأصوات التي تتسع بالنحيب . ولن أنسى دمعات بقاع المسلمين ، وكل الشعارات الصامدة  حتى لا تحدث تلك الأشياء …

حين شرعت أسأل عن قُرانا الضائعة اتُّهِمتُ بالْمُروق . لقد تحملتِ يا  تِزكي  كثيرا من العناء  ، أعرف ذلك … ولكن القلوب كانت كلها  معك . و لئن كان القهر قد تراكم في كل  بورصات الضعفاء ، فقد ظلت  بورصتي قابعة بدَوْح  الحب والوجود الشامخ .

بين جنبيك كنت عبيرافي عرسات الغدير ألهو  ،وبين الكلمات نحلة تتمسح بالأركان

وتتابع العبارات حروفاكحجارة الألماس تصفو،وقد تفتق صبابة حين السَّحَر. عيناك وجنتا نخيل صامِتِ …

أ أسمو أو أطفو قبالةالتمثال المخلدة أرجاؤه؟أم أتجمل بالحياء و أُرخي السدولخلف المراثي و عند المراسم.

وتنشق الضلوع من صدور تزكي الفانوس  سطوراتروي الأساطير عساها تنطفئ شعلةفوق رمال تولدت من الحبر.

اجتمعت في بيتنا نساء القرية ، يترحمون على والدتي  و والدي ، كلُّ  صديقات والدتي رحمها الله   يحكين قصصهن معها . ويرصدن  لنا أجمل الذكريات التي قضتها والدتي معهن . كنت لا أريد أن ينتهين من هذه الحكايات الجميلة أ لأنها كانت تمدُّ في عمري سنوات متوالية . و كنت أراني طفلا صغيرا أرتع بين يديْها ، كغزال يلهو بين أحضان أمه .أخذت أتصفحهن ،  كل وجه  من وجوههن   كان وجه والدتي يبدو لي من خلالهن . تارة  مبتسمة ، وتارة حزينة ، وتارة تواسيني ، و تارة تظهر وتختفي  كما تختفي النجوم وراء السحب .

رقية اندمجت بسرعة معهن ، واندمجت في الضحك معهن ، و كأنها تحل محل والدتي .

هذه الصورة المترامية ، وهذه الفلتات المتناثرة  من الذاكرة  قد لا تتمكن من رصد الحقيقة بحذافيرها . لكن بعد اكتشاف كل التفاصيل  تكون الشمس قد تدفقت من ثقب الغربال دونما عسر أو جهد .وباستمرار تكون الأحداث قد أرخت ستائرها  ،  ومع الزمن تصير جزءا منَّا دون ريْب .

بين كل المنعطفات ستندمج الأصوات الغزلية في صوت القابل ،وصورتك  تزكي الغزالة في مقدمة الموكب هناك .سنرى فيك هذا آو ثغرا باسما  يحلو للراحلين ، ومن دون شك  لن ينطفئ وجودك إلا داخل هذا الوجود الذي اكتسحته رائحتك  هادئة وراء كل اللُّحاف  الزرقاء والسوداء …وزغاريد الجموع ترتج لها  أزقتك من( تسوكت وا مان ) إلى ( إكين العيْن )ثم إلى خلف الجبال ، والقرى المجاورة .

حالما أنتهي من تلك الأشياء  سأفكُّ رموز الحَجر و سأعيدها تاريخا  حيا بين أجيال النازحين .

هي البلاد  و البلدة ،  و قد كان موج حبها قد طغى  وانهمر فوق قسوة الصخور. صِحت في وجهها من اشتياقي … وكان أن عرف طيفُها  لحظة اللقاء المدام ، فاشتعل الوجه حُمرة في حضرة النديم ، وبدأت اللغة تنكمش متراجعة. وداخل الدائرة كنت قربانا  أو فدية لشعلتها المتوهجة.

كل يوم تبدأ ذكريات  الوقوف أمام هذا الذهن الأشعث ، وصور الأحداث الماضية تقصف  بسرعة البرق و وميض الأشياء ، والذاكرة تشتغل دون توْق . حتى أني أخشى أن تنفد طاقتها ، فتتوقف نهائيا ، وهو أمر أمرّ .

أخذت ألمس صخرة الجبل سوادَه، سألتني رقية ماذا  تفعل ،قلت  بهدوء تام ، على هذه الأطلال ،نُقِشت قصائد الراحلين ، وبين أثافيها  سكن الرماد قصصا  لأيام  أجدادنا  حجارة ، وعلى تلك الرفات كان التنكر وجها دميما  .

في ذلك الوقت استهوتنا حقول تِزكي الجداول وضفاف حقولها و مياهها ، و نحن نسكن فضاءاتها ، و نحس الحب يغمر أنفاسنا .  كل حجاراتها  ربيعا  ودفترا  عند كل السهول والجبال . وعند كل عرصة من عرصاتها كان يطول بنا الوقوف  إلى جوار ربْع ، أو حجر ، أو  ربيع ، أو طلح ، أو أواري.

بساحاتها اليوم تعود الأزقة ،( إمين الطرب ، إكين العين ، فرطها ، أعكومي نايت أولما …)  وغيرها  بعد عشرين عاما تنعطف ، وتعرج  بالتفكير  عند منتصف الليالي ، والساعة يحرك عقربها  بين سيول المطر  ورقصات أحواش .

كلما كنت أحاول إعادة ملامح الحب البريء، كان الشرْخ  يزداد  بآلاف السنين ، فأُحِسُّني أشقى  في فهم العلامات الإجبارية  للوقوف بين  معنى الأحداث  و المصائب و الآمال الهاربة.

كان عبوري إلى الضفة الأخرى يطوقني بقدرة أعيد بها قراءة الأشياء ، وقد شمَّرت على أطراف ساقي . كلما تقدمت باعا  شدتني الهموم ، وجذبتني  السبل  نحو الفجيعة .و عند كثير من المنعرجات كنت أكاد ألمس بصيص الحرية ، و أُطْبِق   كَفي على  ظلِّها مهرولا بطفولتي لأنغمس في ذكريات بيتنا القديم .

كنت مستديرا نحو رقية كالطفل  حينما  يحتمي بركن من أركان الحجرة باكيا . مضت هذه الليلة ، لم أتحرك من مكاني ، كلما استيقظت ألْفَتني على حالي ساكنا ، و حين تطيل  في النظر تنجرف نزوات الشجن نحوي ، فتهاجمني   الفجائع من كل  الجهات ، ويتوارى النوم خلف الأرق .

كنت أتحفظ ، وأحيانا أتجاهل أمورا كثيرة حتى لا أزيد الطوفان ضغطا أو ضراوة ، تجعل الأمور تنقلب إلى الأسوأ  .

خرجنا ذلك اليوم نبحث عن الْجِنان  التي ضاعت ، وتراجعت بنا الذاكرة إلى البلاد والإنسان ، وأنا أستجمع اللحظة الجوهرية ، وهاجس الحب   يتوقد في حيرتي .ما أجمل الكوكب حين ضيائه ، و ما أحر أيام الكتائب  بين الحجارة وأثافي الربْع … و ندخل الصمت حين نسلك السبل دون أن نهتم بتعب أقدامنا .

لن تغيب ظلالكِ زكي الحياة ،هانحن نلتقي عندك و فيك وحولك من جديد ، نَعِمْت صباحا ،  وأمسيت طيبا .

أحسست بكياني يهتز مثل دَبَّابة عسكرية ، حولت بصري تجاه الجبال ، تقدمت قليلا ، هممت بالكلام ،رأيتُني تحت وطأة الفزع مبعثرا  وحولي  زمن تِزكي  بدفئه ،و عواصفه  محملة بكل المؤشرات التي تمضي .أيُّ  مجرى سينصبُّ فيه هذا التيار الصاخب . ثمَّة هذه الأمطار المنجرفة لغسل جدران تِزكي  مرتعشة ومبعَدة عن هذه الأسرار، وآخذة في إحصاء المستنقعات ،و ما كنا نملكه من ديار ابتُزت واغتُصبت  يوم بدأ النسيان  يُخيم سحابته على ذاكرة المنبوذين . حتى الذين عانقتهم أيدينا لم نجد لهم أثرا ، وبدت الأقنعة  تحُول دوننا . وباتت كل الأبواب التي قصدناها تُفضي بنا إلى دائرة الغُربة والفراغ وقد اتسعت رقعة المقبرة تضم الأيادي الجميلة التي أغدقت حبها في أرواحنا خلال ما مضى .فلتخلدوا بالجنان و ترقدوا بسلام .

أريد أن أصيح ،  أن أبكي ، أن أفعل شيئا داخل هذا الموكب الزمني .، بين هذه الجبال الحمراء الداكنة لا يستطيع الواحد منا أن يفعل شيئا ، وإذا استطاع  ، فالبكاء أقرب منفذا له .

كنت أفضل سفوح  هذه البلدة ، أتبين القبائل  وخيامها ، و كأني أعيد رسم خريطة ما . كنت آخذ أحيانا في المشي السريع ، أتوقف  وبصري يتصفح ربع السفح ، فأخطو أربعا  ثم أقف ، ثلاثا  ،فأعود  إلى  أن ينتهي بي الموكب متأملا . كنت أتوخى ابتداع حب لهذه البلدة  يرصع بالحلم و الهذيان ، أستعرض المعايش اليومي  و الفضاءات  العابرة  لتشخيصها  مع العابرين ، أصحاب الأيادي البيضاء  على هذه الرقعة من القرية  المتناثرة أطرافها ، ولتُرْدم هوة التعبير ، و أقوى بفضل حقوق الكائنات في أن أتلاحم و المذكرات  ذات الرسم الأقحواني ، والكلام  ألفسيفسائي على المنابر ، حتى أتكلم  وأثرثر  ككل المسؤولين ، و أنظر إذا كنت أسعى دوما لأردم الهوة ثانية ، لكن هذه المرة سيكون  بيني وبين وقائع تِزكي الحلم شيء آخر قد لا أتبينه الآن.

منذ زمان آثرت الصمت على الثرثرة ، أَستمِر أصغي لحركات الأشياء  الساكنة  بالأحزان ، يكفي ما وُشمَتْ به القلوب . و تِزكي الأصول البنفسجية تستقر بجانبي ، تحسني أتمزق إرْبا  إربا ، بين دقائق  الهواجس ، و بروح البصر  مولدا  موتا للأشياء  التي سكنت حولي ، وبكل جهد أظل أصطاد صورتها  الهاربة بهدوء .عند كل المنعطفات الزمنية  كانتتِزكي الورود   تغرس  مسكا وطيبا ، ونخلا مثمرا .

تِزكي  الخُلد كنتِ تكبرين ، وتكبرين   كل حين  وأنتِ تتصديْن للرياح  المتقلبة ، وتتجلَّدين  أمام الأعاصير  الطاغية ، وتمكثين  الليالي تقاومين ، وتقاومين .

ظللت هكذا أمامتِزكي الأم ساعات وساعات  أشعر أن مسألة الانتماء  أضحت أمرا أشد صعوبة من قبلُ ، وأشعر  بالزمن يجلس في ركن سحيق ،لا تتحرك عقاربُه إلا على جثت الأبرياء .

 

سأُعَربد في الشوارع ، و أحرك نواقيس الكنائس ، و أطلق صفارات الإنذار ، وأحشد منابر الخطباء و أُجري مداد الصحفيين ، و أقلام الكتاب ، و مقاطع الموسيقيين ، و أحضر سيارات الإسعاف ، وربما لن أفعل شيئا على الإطلاق .بقدر ما سأقف أمام تِزكيالشوق  صامتا .

أريد أن أسْفر عن الوجوه الوقِحة ، أريد أن أتابع أحداث المهرجين ، و أسْخرَ من خُطب الكراكيز .

شرعت الطريق تمتد إلى ما لا نهاية ، فتعاودني الصورة ذاتها .

كانت تِزكي الزمن  تأخذ في الابتعاد و كأن عروقها تتمزق  بانجذاب ، و الزلزال العنيف يمتلكني ، يهزني هزا ، أقاوم  هذه المرة ككل المرات  بالحب المدفون في هذا القلب  الهجري.

لن تغيب ظلالك تزكي الحب، مهما غابت صورتك ، ستسكن  روحا انسلت من ضفائر نخيلك الفضي . أنت هنا ، وستظلين هنا … سأكون تلك الصخرة الصلدة يتكئ عليها عشاقك أينما حلُّوا أو ارتحلوا ، حيث وراء كل عظيم قرية عظيمة .كلّ أبنائك عظماء  ،مزيدا من الهيام و العشق نحوك يا تِزكي الوطن ،وتحية لخيامك و قد تناثرت على يد من خان زماننا ،ففوق رفاتنا سيتسع العالم .

قرِّي عينا بجيل الجراح، وارفعي هامتك مُنْذِرة بالنصر والفوز .رائع تَجَلُّدك و أنتِ تتصديْن  بالتحدي والسخرية إلى زمن القهر المتواصل .إذ ما أروع صورتكِ المفجعة بالجراح، و ما أشد روعة جمالك بأصفاد الحرية التي كنت بها تتجملين حورية لغد تسطَعُ شمسُه من بين أهداب جريد نخلك الوضاء .

على رصيف بلا أقحوانكنت أسائلها من تكونين  ،وبرمقة الجمال و العينين الباسمتين ترقرق الهوى سائلاخطو التي تمشي على استحياء  .

بين ذكريات الحكاياتو ما جرى صفعة أطاحت بالصرح وما انبنى، بخلد عاد وتمود و ما تبقى.

في رقعة الشدائد والمسراتكانعبيرك قد انبطح داعيا بصلبهو أُردف يسمو طوالع الرسم الدارس.

أيتها الخيمة في سفر رحلها.نحن من تُدثِّرين بعشق الحنين نواذرَ،وعلى عرباتك صرنا مُبعدين تاريخا نُمسي،و على أدراج القراطيس تخبو تَرَنُّحَاتُنَا

 

ليهيم عشاقك من كل حدب وصوب    ، واقصدك قصيدة شعر

 

تزكي الحبيبة

سَلُو تُربَها بِبَعْرِ آرامِها يكسوني الألَم         خانَني دمِي  والقلبُ  نبْض يأسُره العَدم

كِلانا يُمعن رمقه سكنَ الطعنُ الـبدن           في قَطيع الهُباب قد مــزَّق المنديلَ  الندم

وجهها عناكبُ بالخرائط دانَت الغِيم            سؤالي حُجرة ارتوت من ينــــابيعها الدِّمَم

حملتُ تاريخي أرقاما تعُدّها  الأركان            و ارتــأيتُني  أخــبارا  تخمــــــدها العظام

وينهزم الليل بجودِه والمركبُ حَكَم              أُرَتِّقُ فرقعات أناملي تصـــــــدرها الصدام

على كل مآذن المدن ميراثُ الوطــن               حبا دثرينيتِزكي بالشوق خضبه الوشم

أكلما انشق الغبار بحيرة استسلم                 للحزن طيف يـمــــــوج حين يغزو الحلم

عبد الله صدقي

هي السَّماء التي تمْضي  على أشواقنا،و نحن  امتدادُ حلم نُصِرُّ  حبَّهُ ،لا شيء يُعجبني فوق الأرض التي  تخبو سوى  ركعة في غلس ما يمضي ،و ليس فراق  أحبابي سوى وداع قريب

و أنا أحبكِ يا قافلة العشق سأكون في مقدمة الموكب بالمواكب ،وسأمشي أياما بلياليها تحت ظلال الذين أحبهم ،و على أهدابي رحيق من أعرفهم ،ها أنتم ورود  بيدي تسألون السبيل الذي أضاء نجمة بلدتي، ليكون الموت ضياء حلم مؤجل. هكذا إذن علمتني  الحياة أن أسبل دموعا تطيل العمر أعواما فتضحى تزكي زغرودة القمر في ليلة عرس الأعراس  .

أيتها الديار

هي الديار تشكو ربعها دون أحد

والدمع فيض لمن غاص في جلد

ذو الشوق في الورى يعد بالعدد

أمل الحبيب مني تحية بذي كمد

أخا الدمع ما يزال القرح بالجسد

هم الصحاب ما انصرفوا خلف الرمد

لكم مني السلام ما حوت رقائق المدد

ما بالنا إخوتنا نمضي ولا نعد

شدائد تغدو عواصم قدد

أيها الكروان ما تبقى صوته بيد

إذن لتناهى صمت العير و الكمد

ما الليل إلا  لمن قامه طوال الأمد

لمن أقسم الإيمان تناثرت  بالبرد

كذلك ما تبقى هباؤه في يد

 

سأصـــــــــــــــــغي إلى قلــــــــــــــبي

 

تزكي …

لمساتكِ تحيي في نسائم الحياة

فأعشق الأغصان

التي تداعبها الرياح

مدي لي يديكِ

بكل الحنان

ورائحة المسكِ

عطركِ يصاحبني

عساني

أهيم في عرى أوصالكِ

أرغفتكِ

تدفعني للصلاة

مدى ما رافقَتْني

آهاتكِ تفقدني صوابي

فأفتقد وسادتي ليلا

تزكي … شوقي

إليكِ دمعات

ترشف برحيقها

على المحبين

كل الطيور هاجرتنا

يوم غادرت حصوننا

عناقكِ مهما

رحل عني أحبكِ

غنيتكِ مع البلابل

حول أوكارها

أحبكِ بكفين

يحملان راسي

بكمد

أنام كي ألتقي

ظلالكِ مهما

خدش الليل أحلامي

سأصغي إلى قلبي

كلما لاح

اسمكِ على ألسنة العاشقين

كالْمَها

حول الغزالة

ينساب

طوع الريا

رأي